سيد محمد طنطاوي

117

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقال له رجل : ألست عبد فلان ؟ فما الذي بلغ بك ما أرى من الحكمة ؟ فقال لقمان : قدر اللَّه وأداء الأمانة ، وصدق الحديث ، وتركي ما لا يعنيني « 1 » . ومن أقواله لابنه : يا بنى اتخذ تقوى اللَّه لك تجارة ، يأتك الربح من غير بضاعة . يا بنى ، لا تكن أعجز من هذا الديك الذي يصوت بالأسحار ، وأنت نائم على فراشك . يا بنى ، اعتزل الشر كما يعتزلك ، فإن الشر للشر خلق . يا بنى ، عليك بمجالس العلماء ، وبسماع كلام الحكماء ، فإن اللَّه - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة . يا بنى ، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها ، واستقبلت الآخرة ، ودار أنت إليها تسير ، أقرب من دار أنت عنها ترتحل . . « 2 » . وقال الآلوسي ما ملخصه : ولقمان : اسم أعجمي لا عربي وهو ابن باعوراء . قيل : كان في زمان داود - عليه السلام - وقيل : كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام - . ثم قال الآلوسي : وإني أختار أنه كان رجلا صالحا حكيما ، ولم يكن نبيا « 3 » . وقوله - سبحانه - : * ( ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ . . . ) * كلام مستأنف مسوق لإبطال الإشراك باللَّه - تعالى - عن طريق النقل ، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل ، في قوله - سبحانه - قبل ذلك : * ( هذا خَلْقُ اللَّه فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه . . . ) * . والحكمة : اكتساب العلم النافع والعمل به . أو هي : العقل والفهم . أو هي الإصابة في القول والعمل . والمعنى : واللَّه لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به . وقوله - سبحانه - * ( أَنِ اشْكُرْ لِلَّه ) * بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة . أي : آتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر للَّه على ما أعطاك من نعم لكي يزيدك منها . قال الشوكاني : قوله : * ( أَنِ اشْكُرْ لِلَّه ) * أن هي المفسرة : لأن في إيتاء الحكمة معنى القول . وقيل التقدير : قلنا له أن اشكر لي . . وقيل : بأن اشكر لي فشكر ، فكان حكيما بشكره .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 236 . ( 2 ) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 403 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 82 .